ابن عربي

131

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) فظن خيرا تلقه ، فإن اللّه ما يوجد إلا عند ظن العبد به فليظن به خيرا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 47 إلى 48 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) وهي فروض الأعيان لا تجزى نفس عن نفس شيئا ، فإن الفروض حقوق اللّه ، وحق اللّه أحق بالقضاء .

--> لا يقدر أحد يقطع عليه كلامه ، ولا يدخل بينه وبين الملك ، لما تقتضيه الحضرة من الهيبة والجلال ، فجناب الحق أولى بهذه الصفة ، ولهذا جاء إبليس لعنه اللّه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقبس من نار فرماه في وجهه وهو في الصلاة ، لما لم يكن له سبيل إلى قلبه لما ذكرناه من حضوره مع الحق ومناجاته ، ثم قال « وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » يقول : إن المتكبرين يستكبرونها حيث تنزلهم عن كبريائهم ، وأما الخاشع فما تطأمن وخضع وذل إلا لتجلي الحق على قلبه في كبريائه وعظمته ، فلا يكبر على الخاشع الوقوف عند أوامر سيده ، ثم وصفهم فقال ( 47 ) « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » الآية ، العلم القطع على أحد الأمرين ، والشك التردد بين الأمرين من غير ترجيح ، والظن ترجيح أحد الأمرين من غير قطع ، والظن هنا على بابه ، وله وجهان هنا ، الوجه الواحد أن المؤمنين قاطعون بأنهم إلى ربهم راجعون ، فإنه قال ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) والكافر والمؤمن كلهم يرجعون إلى اللّه ، غير أنه ما كل من يرجع إليه يلقاه ، قال تعالى ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) فلذا قيل فيهم « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » أي يغلب على ظنهم أن اللّه بكرمه يختم لهم بما هم عليه من أعمال أهل السعادة ، فيكونون ممن يلقى ربه ، والوجه الآخر أنهم يظنون أنهم ملاقوا ربهم من حيث هذا الاسم ، فإن العبد المطيع لسيده يغلب على ظنه أن سيده لا يلقاه بمكروه ، فإن مدلول هذا الاسم خير كله ، فإنه يجوز أن يلقوا يوم القيامة الاسم المنتقم أو الضار ، فالأدب والمعرفة حكمت عليهم بأن يظنوا « وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » فإن عاد الضمير في « إليه »